الجاحظ

7

الحيوان

فإن زعموا أن الفخار ليس ذلك التّراب ، وذلك الماء ، وتلك النار ، وقالوا مثل ذلك في جميع الأخبصة [ 1 ] والأنبذة ، كان آخر قياسهم أن يجيبوا بجواب أبي الجهجاه ؛ فإنه زعم أن القائم غير القاعد ، والعجين غير الدقيق . وزعم - ولو أنه لم يقل ذلك - أن الحبّة متى فلقت فقد بطل الصحيح ، وحدث جسمان في هيئة نصفي الحبّة . وكذلك إذا فلقت بأربع فلق ، إلى أن تصير سويقا ، ثم تصير دقيقا ، ثم تصير عجينا ، ثم تصير خبزا ، ثم تعود رجيعا وزبلا ، ثم تعود ريحانا وبقلا ، ثم يعود الرجيع أيضا لبنا وزبدا ؛ لأن الجلّالة [ 2 ] من البهائم تأكله ، فيعود لحما ودما . وقال : فليس القول إلا ما قال أصحاب الكمون ، أو قول هذا . 1269 - [ ردّ النظام على أصحاب الأعراض ] قال أبو إسحاق : فإن اعترض علينا معترض من أصحاب الأعراض فزعم أن النار لم تكن كامنة ، وكيف تكمن فيه وهي أعظم منه ؟ ولكنّ العود إذا احتكّ بالعود حمي العودان ، وحمي من الهواء المحيط بهما الجزء الذي بينهما ، ثم الذي يلي ذلك منهما ، فإذا احتدم رقّ ، ثم جفّ والتهب . فإنما النار هواء استحال . والهواء في أصل جوهره حارّ رقيق ، وهو جسم رقيق ، وهو جسم خوّار ، جيّد القبول ، سريع الانقلاب . والنار التي تراها أكثر من الحطب ، إنما هي ذلك الهواء المستحيل ، وانطفاؤها بطلان تلك الأعراض الحادثة من النارية فيه . فالهواء سريع الاستحالة إلى النار ، سريع الرجوع إلى طبعه الأول . وليس أنها إذا عدمت فقد انقطعت إلى شكل لها علويّ واتصلت ، وصارت إلى تلادها [ 3 ] ، ولا أنّ أجزاءها أيضا تفرقت في الهواء ، ولا أنها كانت كامنة في الحطب ، متداخلة منقبضة فيه ، فلما ظهرت انبسطت وانتشرت . وإنما اللهب هواء استحال نارا ؛ لأن الهواء قريب القرابة من النار ، والماء هو حجاز بينهما ، لأنّ النار يابسة حارة ، والماء رطب بارد ، والهواء حارّ رطب ، فهو يشبه الماء من جهة الرطوبة والصفاء ، ويشبه النار بالحرارة والخفة فهو يخالفهما ويوافقهما ؛ فلذلك جاز أن ينقلب إليهما انقلابا سريعا ، كما ينعصر الهواء إذا استحال رطبا

--> [ 1 ] الأخبصة : حلوى تصنع من التمر والسمن . [ 2 ] الجلّالة : البقرة تتبّع النجاسات ، والجلّة : البعر . [ 3 ] أصل التلاد : المال القديم الأصلي ، وهو يريد القول : رجعت إلى معدنها وأصلها الأول .